الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

333

نفحات القرآن

عاملين للضلالة والانحراف عن الحق ، الأول : الدنيا « فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا » ، والثاني : الشيطان « وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » فتارة يؤملكم بكرمه وينسيكم غضبه ، وتارة أخرى يغويكم بشكل بحيث تنسون اللَّه وتعاليمه ، أو تبدو لكم تعاليمه بشكل معكوس . إنّ « غرور » - كما أشرنا سابقاً - هو كل ما خدع الإنسان ، سواء كان مالًا أو جاهاً أو شهوات أو غير ذلك ، وبما أنّ الشيطان أوضح مصداق للخداع ، أطلق عليه ذلك كثيراً ، وفُسِّر به « 1 » . يعتقد كثير من المفسرين أنّ عبارة « لَايَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ » تلميح إلى أنَّ الشيطان غَرَّ الإنسان بَعفو اللَّه وكرمه بدرجة يمكّنه من ارتكاب أي معصية أراد ، ويبلغ به الأمر أن يعتقد بأنّ هذا ناشيء عن كمال معرفته لصفات اللَّه ! وهذا أمر عجيب . وحاله كحال من يتصور أنّ جسمه قوي وذو مناعة تمكنه من مقاومة جميع السموم المهلكة ، فيخدعه تصوره ويتناول السم فيموت . وهذا هو أحد حجب المعرفة . ج‌ج توضيحات 1 - من هو الشيطان ؟ إنّ « الشيطان » - وكما قلنا سابقاً - ليس اسماً خاصاً أو علماً لإبليس ، بل إنّ إبليس الذي امتنع عن السجود لآدم هو أحد الشياطين . إنّ لإبليس جنوداً كثيرة من جنسه ومن الناس ، وتطلق مفردة الشيطان على الجميع ، وعلى هذا فقادة الكفر والشرك والظلم والفساد في الأرض ، والعاملون في الأجهزة الظالمة كلهم من جنود الشيطان ، ولقد جاء في رواية أن هناك شياطينَ من الانس أسوء من شياطين الجن ، حيث سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أبا ذر يوماً : « هل تعوّذت باللَّه من شر شياطين الجن

--> ( 1 ) . إنّ « الغرور » صيغة مبالغة .